في ذكرى رحيله: سلام قدري.. الحاضر الغايب في ذاكرة الفن الليبي

الفنان الراحل سلام قدري

صدى ليبيا | القاهرة – أسماء بن سعيد

بمناسبة الذكرى السادسة لرحيل الفنان، سلام قدري، والذي يوافق اليوم 17 أكتوبر، حرص الكثير من الفنانين من أصدقائه ومحبيه على التذكير به عبر صفحاتهم الشخصية في موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك».

عن طريق نشر بعض من أعماله الغنائية وبعض من سيرته الذاتية، وهنا نحاول اليوم التذكير بهذا الفنان الذي اعتبره الكثيرون سبق جيله من حيث تميزه في اختيار أغانيه وصوته المميز وألحانه التي وصلت لدرجة الإبداع الفني.

نظرة المجتمع للفن

كغيره من أبناء جيله كان مجرد التفكير للدخول لعالم الفن ضد الأعراف والتقاليد الاجتماعية، لهذا في البدايات الأولى لمسيرة الفنانين اختاروا أسماءً مستعارة، ومن هؤلاء الفنان عبدالسلام الصادق عبدالقادر الجزيري، الذي عُرف في عالم الأغنية الليبية لحنًا وغناءً باسم سلام قدري، وهو الاسم الذي أطلقه عليه موسيقار الأجيال كاظم نديم بن موسى العام 1952.

فيما بعد احترف أخاه محمد الجزيري الغناء أيضًا، والذي اعتبرت أغانيه فيما بعد من التراث الليبي ورددها الكثير من الأجيال الفنية سواء في بداية مسيرتهم أم في عز نجوميتهم، مثل «وعيوني سهارة»، «منديلها الوردي»، «جرت السواقي»، «انشد يا سيد الحلوين».

البداية

ولد الجزيري بمدينة طرابلس العام 1934م في أحد أزقّة شارع كوشة الصفار بالمدينة القديمة، درس بمدرسة الفنون والصنائع وهي المدرسة التي تخرج فيها غالبية الأسماء التي ذاع صيتها في الفن والثقافة والرياضة والأدب والسياسة والاقتصاد وباقي العلوم الإنسانية، وتعلم فيها اللغة الإيطالية وأجادها إلى جانب اللغة العربية، إلى جانب كونه برع في العزف على عدة آلات موسيقية منها «الكلارنيت والعود والكمنغا».

كذلك تألق في رياضة كرة القدم وتفوق حتى أصبح واحدًا من لاعبي الدرجة الأولى والفريق الأول لنادي الاتحاد.

بدأ الغناء العام 1952 مع افتتاح الإذاعة الليبية وأصبح عضوًا في فرقة الإذاعة كعازف، وكانت أول أغنية له عرفها من خلاله الجمهور باسم سلام قدري من ألحان الفنان كاظم نديم الذي اكتشف غالبية المواهب حينها، وهي بعنوان «حبيت ما قدرتش انبين حبي»، واذيعت في الإذاعة الليبية، وطوال خمس سنوات من احترافه الفن لم يعلم أهله بهذا.

في العام 1957م قدم أهم الأغاني طوال مشواره الفني مثل «سافر ما زال» و«الجوبة بعيدة»، في العام 1960 دخل عالم التلحين ليلحن غالبية أعماله، كما لحن للكثير من الأسماء المعروفة على الساحة في حينها، في العام 1970 شارك في مهرجان «المغرب العربي» الذي أقيم في المغرب بأغنية «مربوع الطول» وتحصل بها على الترتيب الأول.

تعاون مثمر

تعاون مع أبرز وأهم الملحنين والشعراء الغنائيين منهم الشاعر الطاهر شقلية وعلي السني والملحن عبدالحميد الشاعري وعبدالباسط البدري، لكنه شكل ثنائيًا خطيرًا مع الشاعر أحمد الحريري والذي عبّرا معًا عن روح طرابلس المدينة.

لقاءات مهمة

إلى جانب تعاونه مع أهم الأسماء الموجودة في الساحة الليبية الفنية فقد سنحت له الفرصة للقاء عدة فنانين معروفين على الساحة، منهم الفنان محمد عبدالوهاب الذي التقاه في ليبيا عندما قام الأخير بتلحين وأداء نشيد الاستقلال الليبي أيام المملكة.

والتقى أيضًا الملحن المصري الشيخ سيد مكاوي، وفي بيروت التقى، في بداية حياته الفنية أثناء وجوده وبعض الفنانين الليبيين بتسجيل أغانٍ لهم باستديوهات الرحابنة، الفنانة فيروز وزوجها عاصي الرحباني.

من ذاكرتي

إلى جانب احترافه الغناء والتلحين قرر الفنان سلام قدري فتح محل لبيع الآلات الموسيقية وفعلاً كان له ذلك، وتم افتتاح المحل في شارع الاستقلال وكان من أشهر محال بيع الآلات الموسيقية حتى بداية ثمانينات القرن الماضي، حين قرر النظام السابق منع بيع الآلات الغربية بحجة «الغزو الثقافي».

(أذكر هنا لقائي معه داخل محله بعد أن أعاد افتتاحه في تسعينات القرن الماضي، وكان اللقاء معه في العام 2007 كانت عيناه يملؤها الحزن وهو يقول تخيلي أن من قام باقتحام المحل وإخراج البيانو منه حتى تم كسر الباب الزجاجي وهم يحاولون إخراجه وبعدها تم حرقه في الساحة مع باقي الآلات هو محسوب على الفنانين، ويشغل الآن منصب رئيس مجمع الموسيقى العربية المفارقة الأغرب أنه يمتلك هو نفسه الآن استديو كاملاً في منزله يحتوي جميع الآلات الغربية والشرقية وكافة أبنائه اختاروا طريق الفن).

في العام 2009 تعرض لأزمة قلبية نقل على أثرها لتونس للعلاج يرافقه نجله شكري، وقد تمت متابعة حالته الصحية بالهاتف ونشرها في صحيفة «أويا » أولاً بأول لاطمئنان جمهوره ومحبيه، ويوم رجوعه لأرض الوطن رأي الأستاذ محمود البوسيفي رئيس التحرير حينها أن نقوم باستقباله في المطار مصحوبين بباقة ورد.

وقام بالتنسيق داخل المطار الكاتب والصحفي محمود السوكني الذي وفق بإدخالنا أمام سلم الطائرة مباشرة، وكان بحضور المصور يوسف الرحيبي وشقيقه الفنان محمد الجزيري ووفد من قسم الموسيقى والغناء متمثل في الموسيقار عبدالسلام القرضاب، والموسيقار بشير الغريب والفنان مصطفى البوسيفي والفنان مراد إسكندر والفنان الهادي الغناي.

كانت رد فعل الفنان سلام قدري أن نزلت دموعه وهو يردد بأن حب الناس واحترامهم هو أهم شيء جناه من الفن الذي لم يندم على الدخول لعالمه أبدًا.

«عندليب ليبيا» سيرة ذاتية

في العام 2013 كتب الروائي الليبي د. أحمد إبراهيم الفقيه مسرحية عن سيرة قدري الذاتية بعنوان «عندليب ليبيا»، عندما استشعر أن قدري لم يأخذ حقه من الشهرة التي يستحقها بليبيا، في حين حصل على هذه الشهرة في المغرب والجزائر وتونس.

كما عرضت المسرحية الغنائية والاستعراضية التي قدمت كأول تعاون ثقافي فني بين مصر وليبيا بمسرح الهناجر بمصر، تحكي عن سيرة ذاتية لأشهر مطرب في طرابلس وليبيا، والتي لم يحضرها قدري بسبب ظروفه الصحية، بينما استعان المؤلف والمخرج محمد الخولي بصورة كبيرة له تتوسط خشبة المسرح.

أهم أعماله الغنائية

في رصيد الفنان سلام قدري أكثر من 400 أغنية منها: أنا وأنت، إنت عفيفة، اسقيني المر، أسهر ليالي، اغضبي ما شئتي، التليفون، الدموع أنسيهم يا عين، العين يا ليل، الغـالي رحـل، اللي حبيته، اللي مشقيني بيك، اليوم يا قمر، أنا عشقت الزين، أنا لولا أنتِ، أنسي الماضي، إن شاء الله ما يغيب منا حد، انشد يا سيد الحلوين، أنشودة العمال، آه يا ميمه، أيام كيف الورد.

بعد ولفتى، بعدت عني، بعيني ريت، بناويت ظهروا، بنسهر لقيت الليل، بنماريك خديت فيا، تتفكري ماضي، تره سامحيني، تلقي في صدري، تمشي بعيد، تولعت بيك، جرت السواقي، جواز السفر، حبك طير أخضر، حبيت لون الورد ما تلوموني، حبيت ما قدرتش نبين حبي، حتى جفيتي، رجعتلي أيامه، سافر ما زال، سحابة صيف، سمح الملامح، سوى باعدك مكتوب .

سوق الرحيل مغرب، سيد الشهور رمضان، شاغلك موالي، شال الدليل وعدى، طاير خليك، طقيت باب قلوبكم، طويت الأمل، عاهدتيني، عتاب، عرجون فل، عشقناه حبيناه، عندما غنى المغني، عيني عالكورنيش، غالي عليا، غبت ليش عليا، غدوة تجي م الريف، غزالي المغزول، غوالي ياغولي، فتنا النخل، في ظل ابتسامه، فيها خيرة، قابلتني وردة، قناديل تنور مجملها، قولولها ما زال.

كاد الفؤاد يذوبُ، كان مشيت، كأنك زعلان، كل ما قربت، دقوا القلب، كنـــــــا وكــانــت، كنت انقول الحب عذاب، لا تسايره، لا تغيبك عالعين، لا رضيت القطيعة، لا نـار حبك، لو تؤمريني، لو نعرفه المكتوب، ليت شعري، ما تنشدنيش علاش، مال القلب، مربوع الطول، مش قلتي يا لعين، مش قولنالك فيها خيرة، مشمومتك مابهاها، منك طارت، منك ومن الأيام، ناس بغـوك.

نتخاصموا، نقشه حِلُو، هذا حرام علينا، هايم بيه، والله الهوى كذاب، والله مشوا، وعدني هلي زي القمر، وعيوني سهاره، يا رانية، يا عين هانوا، يا عيون ما صبركم، يا غالية على بوك، يا غربتي طالت، يا سمرونة، يا سواني الحنّه، يا سيد الحلوين، ياما سهرت الليالي، يا مبهى صوت العربية، يانا عليّ، ، يا نجوم الليل، يــا لافتة الأنظار، يا ناسي أيام فرحنا، يـا نسمات هبي، يا هاجرة دارك.

وفاته

توفي الفنان سلام قدري يوم الجمعة 17 أكتوبر 2014 في منزله الكائن بشارع الصريم في مدينة طرابلس عن عمر ناهز 80 عامًا بعد رحلة صراع مع المرض، تاركًا وراءه رصيدًا فنيًا وتراثيًا وسيرة عطرة لا يختلف أي كان، ونجح بأن يكون حاضرًا على الرغم من الغياب.